الشوكاني

447

فتح القدير

وصلا ووقفا ، وحذفها أبو عمرو في الوقف ، وحذفها نافع في الوصل والوقف . قال القرطبي : وأجمع الناس على الاستواء في المسجد الحرام نفسه . واختلفوا في مكة فذهب مجاهد ومالك إلى أن دور مكة ومنازلها يستوى فيها المقيم والطارىء . وذهب عمر بن الخطاب وابن عباس وجماعة إلى أن للقادم أن ينزل حيث وجد ، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أم أبى . وذهب الجمهور إلى أن دور مكة ومنزلها ليست كالمسجد الحرام ، ولأهلها مع الطارىء من النزول فيها . والحاصل أن الكلام في هذا راجع إلى أصلين : الأصل الأول ما في هذه الآية هل المراد بالمسجد الحرام المسجد نفسه . أو جميع الحرم ، أو مكة على الخصوص . والثاني هل كان فتح مكة صلحا أو عنوة ؟ وعلى فرض أن فتحها كان عنوة هل أقرها النبي صلى الله عليه وآله وسلم في يد أهلها على الخصوص ؟ أو جعلها لمن نزل بها على العموم ؟ وقد أوضحنا هذا في شرحنا على المنتقى بما لا يحتاج الناظر فيه إلى زيادة ( ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) مفعول يرد محذوف لقصد التعميم ، والتقدير : ومن يرد فيه مرادا : أي مراد بإلحاد : أي بعدول عن القصد ، والإلحاد في اللغة الميل إلا أنه سبحانه بين هنا أنه الميل بظلم . وقد اختلف في هذا الظلم ما ذا هو ؟ فقيل هو الشرك ، وقيل الشرك ، وقيل الشرك والقتل ، وقيد صيد حيواناته وقطع أشجاره ، وقيل هو الحلف فيه بالأيمان الفاجرة ، وقيل المراد المعاصي فيه على العموم ، وقيل المراد بهذه الآية أنه يعاقب بمجرد الإرادة للمعصية في ذلك المكان . وقد ذهب إلى هذا ابن مسعود وابن عمر والضحاك وابن زيد وغيرهم حتى قالوا لو هم الرجل في الحرم بقتل رجل بعدن لعذبه الله . والحاصل أن هذه الآية دلت على أن من كان في البيت الحرام مأخوذا بمجرد الإرادة للظلم ، فهي مخصصة لما ورد من أن الله غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها إلا أن يقال إن الإرادة فيها زيادة على مجرد حديث النفس ، وبالجملة فالبحث عن هذا وتقرير الحق فيه على وجه يجمع بين الأدلة ويرفع الإشكال يطول جدا ، ومثل هذه الآية حديث " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار ، قيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول ؟ قال : إنه كان حريصا على قتله صاحبه " فدخل النار هنا بسبب مجرد حرصه على قتل صاحبه . وقد أفردنا هذا البحث برسالة مستقلة ، والباء في قوله " بإلحاد " إن كان مفعول يرد محذوفا كما ذكرنا فليست بزائدة ، وقيل إنها زائدة هنا كقول الشاعر : نحن بنو جعدة أصحاب الفلج * نضرب بالسيف ونرجو بالفرج أي نرجو الفرج ، ومثله : ألم يأتيك والأنباء تنمى * بما لاقت لبون بنى زياد أي ما لاقت ، ومن القائلين بأنها زائدة الأخفش ، والمعنى عنده : ومن يرد فيه إلحادا بظلم . وقال الكوفيون : دخلت الباء لأن المعنى بأن يلحد ، والباء مع أن تدخل وتحذف ، ويجوز أن يكون التقدير : ومن يرد الناس بإلحاد . وقيل إن يرد مضمن معنى يهم ، والمعنى : ومن يهم فيه بإلحاد . وأما الباء في قوله بظلم فهي للسببية ، والمعنى : ومن يرد فيه بإلحاد بسبب الظلم ، ويجوز أن يكون بظلم بدلا من بإلحاد بإعادة الجار ويجوز أن يكونا حالين مترادفين ( وإذا بوأنا لإبراهيم مكان البيت ) أي واذكر وقت ذلك ، يقال بوأته منزلا وبوأت له كما يقال مكنتك ومكنت لك . قال الزجاج : معناه جعلنا مكان البيت مبوأ لإبراهيم ، ومعنى بوأنا : بينا له مكان البيت ، ومثله قول الشاعر : كم من أخ لي ماجد * بوأته بيدي لحدا وقال الفراء : إن اللام زائدة ومكان ظرف : أي أنزلناه فيه ( ألا تشرك بي شيئا ) قيل إن هذه هي مفسرة لبوأنا لتضمنه معنى تعبدنا ، لأن التبوئة هي للعبادة . وقال أبو حاتم : هي مصدرية : أي لأن لا تشرك بي . وقيل هي